ببطء..كان القطار القديم يجتاز بحارا من الخضرة , و جبالا يلفها الضباب ..
طبيعة أبدع الخالق فيها كل ما عرفته بقاع الأرض من جمال ..
و رأيته ... واقفا في الممر.. يتأمل كل ذاك السحر ..ناسيا حقيبة السفر على كتفه , يتمشى قليلا , ينظر الى مقصورتنا , ثم يغيب .
صادفناه في مطعم القطار و قد انزوى في ركن بعيد , و كنا بضعة أشخاص , قلة هم الركاب الذين يتجهون من بكين الى موسكو !.
مرت الساعات و المسافر الغريب لمايزل واقفا أمام الباب , و لماتزال حقيبته معلقة على كتفه !
أشار أبي اليه أن يدخل ان كان حجزه معنا , فهز رأسه هزات سريعة , أن لا...
مالذي يفعله اذا !؟ ألم يتعب من الوقوف ؟ أم سحرته تلك القمم , فظل مشدودا الى شرفة الممر ..
توقف القطار في محطة , سمعنا نقراً على النافذة , ورأينا وجوهاً تفيضُ بالفرح و السعادة و تشير الينا , عرفت أنهم " النّور" يسألون ان كنا نبادلهم المسجلة بأسنان ذهبية " يركّبونها لنا " و حين رفضنا , تابعوا الدق و الرقص,و مشوا...و أدركت من أين جاء مثلنا الشعبي " متل النّور , قلّة و بسط "
حين تذكرت المسجلة , أدرتها , و أنطلق صوت فيروز : اسهار بعد اسهار.. فالتفت المسافر و كأن هذا الصوت قد أهداه اطمئناناً ما ..ز فاسترخت يداه , و وضع الحقيبة بجانبه ...و أصغى ..
ثم الأغنية التالية : يا أنا...يا أنا.
حركت الأغنية دهشته و قدميه , فتحرك صوبنا , فهذا اللحن معروف له ...
فسأله والدي بالأنكليزية ...فهز رأسه ...فسأله أتيقن الفرنسية , فأجاب : نعم ...
دخل تعارفنا , و ترجم لي أبي سّر الساعات العشر .
هو مهندس جيولوجي كنّدي ..و حين عرف أننا عربيان ...أصابه الذعر ..
و أرعبه أن نسرقه أو نذبحه , كما صورّنا الغرب , ولم يصدق أن يلتقي انسانا عربيا , يتقن لغتين , و يتحاور مع الآخرين بحضارة .
هّده التعب , فارتمى على سريره..و نظر الى السرير العلوي المقابل له , وأشار اليّ هل أطفئ الضوء...
غمزني , ثم أطفأ النّور و نام .
كان ذلك عام 79 , وأتساءل اليوم : لقد قدر لصديقنا الكندي أن يسافر في القطار سبعة أيام , في مجاهيل سيبيريا و منغوليا و لا شيء إلا السّحب و الجبال .., في قطار يقلّ شخصين يحملان ملامح عربية ..هل يجرؤ على السفر بعدما يرى على الفضائيات استيقاظ عملاق العنف و الإرهاب في مدننا العربية ...؟!










